وهبة الزحيلي

142

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أرسله اللّه عائدا إلى القوم الذين هرب منهم إلى البحر ، وهم أهل نينوى من أرض الموصل ، وعددهم مائة ألف ، بل أكثر من ذلك ، فهم يزيدون عن هذا العدد ، فدعاهم إلى ربه مرة أخرى ، فصدقوه كلهم وآمنوا به ، بعد ما شاهدوا أعلام نبوته ، وأمارات العذاب ، فمتعهم اللّه في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم ، كقوله تعالى : فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا ، كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [ يونس 10 / 98 ] . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت قصة يونس إلى ما يأتي : 1 - وقعت حادثة التقام الحوت يونس عليه السلام بعد أن صار رسولا ، لقوله تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ أي أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك . 2 - لا يصح لنبي المهاجرة عن بلد القوم الذين أرسل إليهم إلا بإذن ربه ، فلما ذهب يونس عليه السلام بغير إذن ربه ، وصف فعله بالإباق . قال العلماء : إنما قيل ليونس : أبق عن العبودية ، لأنه خرج بغير أمر اللّه عز وجل ، مستترا من الناس . وإنما العبودية : ترك الهوى ، وبذل النفس عند أمور اللّه عز وجل ، فلما آثر هواه لزمه اسم الآبق . ولم يبين لنا القرآن الكريم سبب إباقه ، وقد فهم ذلك بالأمارات . 3 - القرعة جائزة شرعا ، وملزمة الأثر كالقسمة ، لقوله تعالى : فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ . لكن المستقر في تشريعنا أنه لا يجوز الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر ، وإنما تطبق عليه الحدود والتعزيرات على مقدار جنايته . وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه ، وزيادة في إيمانه .